الراغب الأصفهاني
108
الذريعة إلى مكارم الشريعة
فمتى كانت القوة المدبرة من أولياء الشيطان ومحبيه لم تر نور الحق فعميت عن نفع الآجل واغترت بلذة العاجل فجنحت إلى الهوى كما قال تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ « 1 » . ومتى كانت من حزب اللّه وأوليائه اهتدت بنوره ، فاستهانت بلذة العاجل ، وطلبت سعادة الآجل كما قال تعالى : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ، وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ « 2 » . ومما نبّه به على فساد الهوى قوله تعالى : وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ « 3 » أي لو أعطي كل إنسان ما يهوى مع أن كل واحد يهوى أن يكون أغنى الناس وأعلاهم منزلة وأن ينال في الدنيا الخير الأبدي بلا مزاولة ولا يعلم أنه أعطي ذلك « 4 » لكان فيه فساد العالم بأسره . وقيل في قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ « 5 » ضرب الشجرة الطيبة مثلا للعقل ، والخبيثة مثلا للهوى ، ففرع الطيبة النور والإسلام ، وفرع الخبيثة الكفر والضلال . فإن قيل ما الفرق بين الشهوة
--> ( 1 ) الجاثية / 23 . وهذه الآية لم تذكر في المطبوعة ( 2 ) الأعراف / 200 ، 201 ، 202 . ( 3 ) المؤمنون / 71 . ( 4 ) ما تحته خط ساقط من ط فقط . ( 5 ) إبراهيم / 24 . يلاحظ أن هناك جزءا ساقطا من الآية فنصها : « . . . وفرعها في السماء تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب اللّه الأمثال للناس لعلهم يتذكرون . ومثل كلمة خبيثة . . . »